الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

الحب اسمه غلط

"يخيل إلى أن الحب اسمه غلط، فإنه يبدو لى أن هذه العاطفة التى نسميها الحب خاليه فى الحقيقة من الحب، والعلاقة فيها بين الجنسين ليست علاقة مودة. وهذا كلام قد يبدو متناقضًا ولكنى أظنه صحيحًا، ذلك أن الحب ضرب من الجوع؛ ولا تقولوا أنه جوع معنوى فإن هذا يكون تخريفًا، اذ ليس ثم فيما يتعلق بالإنسان أو الحياة شيء معنوى. والإنسان مادة وكل مافى الحياة من المادة وإلى المادة، فلندع هذه الخيالات ولنجتزىء بالحقائق فإن أرضها صلبة متينة لا تسوخ فيها الرجل. والمرء يجوع فيشتهى الطعام أى يطلبه، لا لأنه يحب الطعام فى ذاته، ولا لأن بينه وبين ما يأكل مودة، بل ليسد الحاجة التى يشعر بها ويقضى الرغبة التى تلج به ولا يستطيع أن يهدئها بغير الأكل. وكذلك يجوع جوعًا من ضرب أخر - جوعًا يطلب به إرضاء الرغبة الطبيعية فى النسل إطاعة لغريزة حفظ النوع، كما يطلب بالأكل إطاعة لغريزة المحافظة على الذات. وكما لا يقال إن بين الأكل والمأكول مودة، كذلك لا ينبغى أن يقال أن بين المحبين مودة. إنما تكون العلاقة بينهما قائمة على الرغبة فى الالتهام أو الاستحواذ إطاعة للغريزة لا عن مودة. والحبيبان أشبه بالمتقاتلين المتبارزين منهما بالصديقين المتوادين، لان مطلب كل منهما الاستيلاء والغلبة؛ وهما لا يستعملان سلاحًا ولا يحدثان جراحًا، ولكن الواقع أن القبل والعناق والضم وغير هذا وذاك مما يكون بين المحبين - كل ذلك ليس إلا وسائل للتليين بغية التغلب. وقد استعمل الشعراء ألفاظا كثيرة كانوا فيها صادقين من حيث لا يشعرون، فذكروا فى مواقف الحب وحالاته المختلفة المتعددة السيف والجراح والأكباد القريحة والقلوب المفجوعة والنفوس الكليمة والسهام وما إلى ذلك، فأشاروا إلى حقيقة العلاقة بين الحبيبين من حيث يحسون بها بالفطرة ولا يدركونها بالعقل. والحقيقة هى أن الحب حرب واقتتال وفتك، وغايته - وهى النسل - تنطوى على تعرض للتضحية الكبرى على الأقل من جانب المرأة - وسبيله الإخضاع. فالمرأة تحاول إخضاع الرجل ليتسنى لها بذلك أن تجىء بالنسل الذى جعلتها الطبيعة أداة له. والرجل يحاول إخضاع المرأة ليتسنى له أن يجعلها تجيئه بالنسل الذى يطلبه بغريزته. والحال بينهما دائر أبدًا على الكفاح. وفى كل شعر صادق - قديم أو حديث - لمحات عديدة تدل على التفطن إلى هذه الحقيقة ولو من غير إدراك تام صحيح جلى لها" (المازني 1937)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق